
في زمنٍ ليس ببعيد، كان بعض الصحفيين يرفعون شعارات محاربة الفساد، ويتحدثون باسم الشعب، وينتقدون الريع والامتيازات، ويقدّمون أنفسهم كأصوات مستقلة لا تخشى قول الحقيقة. كانوا يكتبون بحماس عن ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعن أهمية الشفافية، وعن رفض كل أشكال الاستفادة غير المشروعة من النفوذ أو القرب من مراكز القرار.
لكن مع مرور الوقت، انكشف وجه آخر لبعض هؤلاء. فبمجرد أن اقتربوا من دوائر النفوذ، أو حصلوا على نصيبهم من الامتيازات، تغيّرت اللغة، واختفت النبرة الحادة، وحلّ الصمت محل النقد، بل وأصبح بعضهم يدافع عن نفس الممارسات التي كان يهاجمها بالأمس.
الصورة المعروضة اليوم تذكّرنا بمقال سابق مليء بالانتقاد اللاذع لما كان يُعتبر “فساداً” أو “امتيازات غير مبررة”، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالاً مشروعاً: هل كانت تلك المواقف نابعة من قناعة مبدئية، أم أنها كانت فقط وسيلة للضغط من أجل الوصول إلى نصيب من “الكعكة”؟
المفارقة المؤلمة هي أن من كان يقدم نفسه كمناضل ضد الفساد، قد يتحول لاحقاً إلى جزء من المنظومة نفسها. وحين يحدث ذلك، لا يسقط الشخص وحده، بل تسقط معه ثقة الناس في الخطاب الإعلامي، وفي كل الأصوات التي تدّعي الدفاع عن المصلحة العامة.
إن أخطر أنواع الفساد ليس فقط فساد المال أو السلطة، بل فساد المواقف. لأن الذي يبيع مواقفه يفقد المصداقية، ومن يفقد المصداقية لا يمكنه أن يدّعي تمثيل ضمير المجتمع. فالكلمات التي كانت بالأمس سلاحاً ضد الفساد، تصبح اليوم شاهداً على التناقض والانتهازية.
لذلك، فإن هذه الصورة ليست مجرد استحضار لمقال قديم، بل هي مرآة تكشف كيف يمكن لبعض الأشخاص أن ينتقلوا من خطاب “محاربة الفساد” إلى ممارسة الصمت أو التبرير عندما تتغير مصالحهم. وهذا يفرض علينا كمجتمع أن نميز بين من يدافع عن المبادئ، ومن يستعمل المبادئ فقط كورقة تفاوض.
في النهاية، يبقى المبدأ الحقيقي ثابتاً لا يتغير بتغير المواقع أو المصالح. أما من يغيّر مواقفه حسب ما يحقق له المنفعة، فإنه لا يحارب الفساد، بل يبحث فقط عن موقع أفضل داخله.



