تشهد الساحة الإعلامية المغربية تحولات خطيرة تهدد مستقبل الصحافة الحرة والمستقلة، حيث أصبح من الواضح أن تكميم الأفواه واستهداف الصحافيين المستقلين لم يعد مجرد استثناء، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى ضبط المشهد الإعلامي وفق معايير السلطة. القضية اليوم تتجاوز شخص الصحافي حميد المهداوي، الذي يواجه سلسلة من المتابعات القضائية والتضييقات، لتطرح سؤالًا جوهريًا: هل ما زال هناك مكان لصحافة حرة في المغرب؟
ما يتعرض له المهداوي اليوم ليس مجرد استهداف لشخصه، بل هو نموذج لنهج يهدف إلى تطويق الإعلام الحر وإفراغه من محتواه. فبين الضغوط الاقتصادية التي تخنق الصحافة المستقلة، والسياسات التي تحوّل قوانين الإعلام إلى أداة عقاب بدلًا من آلية حماية، باتت الصحافة المغربية في وضع هش، تحت رحمة جهات نافذة تحدد من يحق له الوجود داخل المشهد الإعلامي ومن يجب استبعاده.
حرية الصحافة بين التشهير والتكميم
منذ عودته إلى المشهد الإعلامي بعد قضاء ثلاث سنوات في السجن، تمكن حميد المهداوي من كسر الطوق المضروب على الإعلام المستقل بأسلوبه المباشر والعفوي، مستقطبًا جمهورًا يشعر أنه مهمّش إعلاميًا. لكنه بالمقابل، واجه تحركات مكثفة لإسكاته أو تخويفه، تمامًا كما حدث مع العديد من الصحافيين الذين دفعوا ثمن رفضهم الخضوع لقواعد اللعبة الإعلامية المفروضة من السلطة.
في ظل هذا الوضع، نجد أن الصحافة في المغرب لم تعد فقط مستهدفة من قبل السلطة السياسية، بل أيضًا من مؤسسات من المفترض أن تدافع عنها. فالمجلس الوطني للصحافة، بدلًا من أن يكون حاميًا للصحافيين، أصبح أداة لمزيد من التضييق والتصفية الإعلامية. بل إن اللجنة المؤقتة التي تسيّر المجلس اليوم تحولت إلى كيان دائم غير شرعي، يُستخدم لضبط المشهد الإعلامي والسيطرة عليه.
الإعلام في المغرب.. أزمة وجودية
الواقع أن أزمة الصحافة المغربية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية جعلت الإعلام المستقل عبئًا غير مرغوب فيه. السلطة لا تحتاج إلى إعلام حر يراقبها أو يكشف ملفات الفساد، بل إلى آلة إعلامية تطبّل لإنجازاتها وتغطي على تجاوزاتها. ولهذا، نجد أن الصحافة المغربية تُدفع نحو الاختناق البطيء عبر أزمات مالية مدروسة، تغلق معها قنوات التمويل النزيه، وتُترك وحدها في مواجهة سوق إعلانات تتحكم فيه جهات ذات أجندات سياسية.
وفي الوقت الذي يفترض أن تعمل الدولة على تنظيم القطاع الإعلامي بشكل مستقل ومهني، نجدها تماطل في إصلاحه، مما يتركه في حالة فوضى مقصودة تجعل من السهل التحكم فيه وقمع الأصوات المزعجة.
هل يمكن إنقاذ الصحافة المغربية؟
إن ما يحدث اليوم في المغرب ليس مجرد أزمة مهنية، بل معركة وجودية تحدد ما إذا كانت البلاد ستحتفظ بإعلام مستقل أم أنها ستتحول إلى ساحة فارغة لا يسمع فيها سوى صوت السلطة. الصحافة الحرة ليست رفاهية، بل هي شرط أساسي لأي مجتمع ديمقراطي، وأي محاولة لخنقها تعني قطع الطريق أمام كل محاولات الإصلاح السياسي والاجتماعي.
المغرب اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يتبنى إعلامًا حرًا ومستقلًا قادرًا على مساءلة السلطة وكشف الحقائق، أو أن يتحول إلى فضاء مغلق تسوده الدعاية الرسمية، ويفقد فيه المواطنون أي وسيلة للوصول إلى الحقيقة.
الصحافة الحرة لا تهدد استقرار الدول، بل تحصنه. وعندما يختفي الإعلام المستقل، فإن المجتمع كله يصبح عاجزًا عن الرؤية، عاجزًا عن الفهم، وعاجزًا عن التغيير. والسؤال المطروح اليوم: هل يريد المغرب أن يكون مجتمعًا يرى ويسمع ويتحدث، أم أنه اختار أن يعيش في الظلام؟