Ad image

مرحبا بأثرياء المغرب الجدد

إضافة تعليق 4 دقائق للقراءة

إن المتأمل في المسار الدراسي لوزير العدل عبد اللطيف وهبي يجده قد تلقى تعليمه الابتدائي في مؤسسة الحسن الثاني، ثم أكمل دراسته في ثانوية سليمان الروداني الشعبيتين. هذا المسار الدراسي يكشف لنا طبيعة المستوى المعيشي والتحديات التي واجهها الوزير بحكم انتمائه لأسرة كبيرة العدد. كيف تمكن رجل مثل الحسين بن همو وحليمة الوكيلي في مسقط رأسهما من تدبير ضنك العيش بمدينة جنوبية تدعى تارودانت؟ أنتم بالتأكيد تعرفون وضع تارودانت واقتصادها في الماضي والحاضر.

الأساسي هنا هو فهم طبيعة الوضع الاجتماعي الذي ترعرع فيه السيد الوزير، وكيف أثر ذلك على توجهه السياسي. فقد دفعته تلك الظروف إلى الانضمام إلى الشبيبة الاتحادية في زمن مضى، حين كانت تتبنى طرحًا إصلاحيًا يتناغم مع الرؤية القائلة بدمقرطة الدولة والمجتمع. حاول وهبي جاهداً تسلق سلم الارتقاء الحزبي، لكنه ربما وجد نفسه بعيداً كل البعد. ومع ذلك، منحه الحزب فرصة العمل محامياً متمرناً في مكتب المحامي أحمد بنجلون، الذي كان ذائع الصيت في زمانه. أتاح له هذا العمل الاطلاع على قضايا اجتماعية كبرى، مثل المشاكل البنيوية في مغرب الفوارق الطبقية، ونعيم الأثرياء، ومعاناة الفقراء. من هنا، تعزز وعيه السياسي، وغيّر وجهته نحو حضور تأسيس حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، الذي ظل وفياً له حتى سنة 2010.

لكن السؤال المطروح هو: كيف تغير عبد اللطيف وهبي من أقصى الطرح اليساري الجذري إلى حزب يسمى الأصالة والمعاصرة؟ هذا التحول يضعنا أمام ظاهرة نفسية تحتاج لتحليل سيغموند فرويد لفهم بواعث هذا التغير المفاجئ. إنه انقلاب جذري في قناعاته ومبادئه، التي ترسخت على مدى تسعة وأربعين عاماً من عمره. بدا هذا “الانتحار الفكري” عندما التحق وهبي بحزب الأصالة والمعاصرة، ساعياً لنيل الحظوة داخل حزب “النخبة”، والحصول على جواز ارتقاء طبقي، مما يؤكد انسلاخه عن ماضيه. وقد عبّر عن ذلك بقوله: “ولدي عنده جوج ديال إجازات في موريال… وباه لا باس عليه… وخلص عليه… وقراه في الخارج.”

هذا التصريح يعكس عقدة اجتماعية رافقته منذ صغره، وجعلته اليوم يعتقد بأنه ثري فعلياً، لكنه يبدو فقيراً فكرياً. هذا التناقض يظهر في محاولاته المستمرة لإبراز الذات والوجود السياسي، وهو ما ظل بعيد المنال مع اليسار. يتجلى هذا أيضاً في تسرّعه وانفعاله وخرجاته الإعلامية غير المحسوبة والمستفزة. الأكثر من ذلك، قناعته بأن رأس المال هو الفيصل في مغرب العهد الجديد.

- مساحة إعلانية -
Ad image

إن دفاعه عن دراسة ابنه في دولة كندا يكشف جوانب عديدة في تركيبته السياسية والفلسفية بين عضويته في الحكومة ورئاسته للحزب. الوجه الآخر لهذا الدفاع يتمثل في تصريحه الجريء بأن أبناء الفقراء المغاربة لا ينبغي أن يتنافسوا مع ابنه أو أبناء الأثرياء القدامى والجدد.

عبد اللطيف وهبي ليس ظاهرة استثنائية في ركوب موجة مغرب الثروة والحظوة في دائرة الرباط، بل هو نموذج لتحوّر النخب الحزبية بين مختلف المشارب الإيديولوجية. وقبل سنوات، صرّح لحسن الداودي، عضو حزب العدالة والتنمية، قائلاً: “لي بغا يقري ولادو خاص يكحب الفلوس.”

هذه الموجة تعبّر عن ثقافة تتجه نحو تشييئ الحياة العامة، وخصخصة القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة والتشغيل من خلال نظام “الكونطرا” أو التعاقد. وعلى عكس الدول الغربية، التي أصبحت تتجه رغم طبيعتها الرأسمالية، مثل ألمانيا والدول الاسكندنافية، نحو نموذج الدولة الديمقراطية الاجتماعية، وتأمين خدمات عامة أكثر لمواطنيها في أعقاب حقبة كورونا، يختار المغرب الاتجاه الآخر. إنه اتجاه يحتكم إلى قوة المال، وفوارق الملكية، ونزعات الاحتكار.

تحياتي للشعب المغربي المعتقل وسط الفساد.
بقلم إنسان مجروح وطنياً.

شارك هذا المقال
اترك تعليقًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *