في ظل تراجع المغرب إلى المرتبة 94 عالميًا في مؤشر سيادة القانون، تفاجأ الرأي العام بحملة إعلامية مكثفة تسعى إلى تلميع صورة المسؤولين القضائيين، الذين يُنظر إليهم كأحد الأسباب الرئيسية في هذا التقهقر. الصحافة المغربية، التي يُفترض أن تكون صوت الشعب ومراقبًا لأداء المؤسسات، تحولت إلى أداة دعاية تروج لإنجازات وهمية لمسؤولين يواجهون اتهامات بحماية الفساد وإقامة نظام قضائي مبني على التمييز والمحسوبية.

مقالات تنشر يوميًا على صفحات الجرائد الوطنية تُظهر هؤلاء المسؤولين كأبطال للإصلاح والشفافية، بينما يعلم الجميع أن المحاكم المغربية تعاني من اختلالات جسيمة، حيث تسود المحسوبية، وتُلفق القضايا، ويُعتقل الأبرياء، فيما يُترك الحبل على الغارب لناهبي المال العام والمتورطين في الجرائم الاقتصادية.

ما يثير السخرية أن هذه الحملة تأتي في وقت يتصاعد فيه الغضب الشعبي بسبب التفاوتات الطبقية، وتعثر العدالة، وغياب المحاسبة. المسؤولون القضائيون الذين راكموا ثروات طائلة من خلال استغلال مناصبهم، أصبحوا يُقدَّمون اليوم على أنهم رموز النزاهة والاستقامة. الصحافة الموجهة تُظهرهم كمصلحين، بينما هم في الواقع رعاة الفساد وأدواته.

التقارير الإعلامية التي تُضفي هالة من التقديس حول هؤلاء المسؤولين لا تعكس الواقع اليومي للمغاربة الذين يواجهون صعوبات في الحصول على حقوقهم داخل المحاكم. فالعدالة أصبحت سلعة لمن يدفع أكثر، والقضايا تُفصَّل وفق الأهواء والمصالح، في ظل نظام يوصف بـ”الأبارتايد القضائي”، حيث يُعامل المواطنون بناءً على مكانتهم الاجتماعية وعلاقاتهم الشخصية.

الأخطر من ذلك هو تجييش وسائل الإعلام والصحافة الصفراء لمهاجمة أي صوت معارض أو ناقد لهذا الوضع. كل من يجرؤ على فضح هذه الممارسات يُواجه بحملات تشهير، واتهامات ملفقة، وحتى ملاحقات قضائية تُدار بنفس الأدوات التي يتحكم فيها هؤلاء المسؤولون.

هذه الحملة الإعلامية ليست مجرد محاولة لتلميع الصورة، بل تعكس رغبة في فرض الهيمنة والسيطرة عبر رسائل مباشرة للشعب المغربي مفادها أن القضاء بيد هؤلاء المسؤولين، وأنهم فوق المحاسبة والقانون. إنهم يرسلون رسالة واضحة: “نحن أربابكم ولا سلطة تعلو فوقنا”.
في ظل هذا الوضع، أصبح الإصلاح الحقيقي ضرورة ملحة وليس مجرد شعارات جوفاء. إعادة الثقة في النظام القضائي تتطلب محاسبة المسؤولين الفاسدين، وتعزيز استقلالية القضاء، وتحرير الإعلام ليكون صوتًا حقيقيًا للحق والعدالة، وليس أداة لتلميع صور الذين يقفون في وجهها.