البَثُ أشد الحُزن. هو الحزن الذي لا يصبر عليه صاحبه، حتى يبثَّه أو يشكوه. أما الحُزن فهو أشد الهم. “البث” أقصى ما يُصيب الإنسان من الهم والحُزن، فلا يحتمل كتمانه فيبوح به طلبا لبعض التنفيس.
في القرآن الكريم وردت “إنما أشكو بثي وحزني إلى الله” (يوسف : 86 )، دلالة على حالة ضيق نفسي أصابت نبي الله يعقوب عليه السلام من الأحزان المُتجددة على ما لا يطيق، أي فراق ابنه يوسف عليه السلام، مع الشكوى من الألم الذي نزل به حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم.
فيا ترى، أي الأشياء أدَّت بشيخ الوزراء، وزير الأوقاف وشؤون المساجد والأضرحة المغربي، ليصل إلى كل هذا الهم والحزن والكرب، لدرجة أنه آثر البوح لعدم الاحتمال؟
هل أصابه “البث” كمداً على 45 ألف شهـ.يد سقطوا في حـ.رب غاشمة على يد المجـ.رمين في مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، باعتباره (التوفيق) وزيرا لشؤون دين يأمر أصحابه بنصرة المظلوم وإغاثة الملهوف ولو باللِّسان، وذلك أضعف الإيمان؟
هل أرهق الحُزن الشديد وريث وزارة الأوقاف وهو يتابع خيام النازحين تُحـ.رق بالأطفال والنساء أحياء، المستشفيات تُقصف، البيوت تُهدم على رؤوس ساكنيها، الأسرى يُنكل بهم، الصغار يُقنسون كالحمام، الجرحى يُتركون حتى التعـ.فن، المدارس تُحرق، العمليات الجراحية تُجرى تحت القصف بدون مخدر، المساجد تُنسف، المستشفيات تُقصف…في بيت المقـ.دس، وأكناف بيت المقـ.دس، وهو الوزير في بلد يملك أوقافا في القـ.دس ويدعي امتلاك بيت مال لنُصرتها؟
دعنا من الأمور الخارجية، المُتجلية في إبـ.ادة ما يناهز عدد سكان مدينة تازة في قطاع غـ.زة، ولننظر إلى مواقف الوزير الحزين من مآسي الداخل!
هل أصابك البثُّ من أحوال 3 ملايين مغربي جُدد دخلوا خط الفقر خلال سنة وحيدة (كورونا) بعد ستة عقود من الاستقلال؟
هل هالك يا توفيق حال هُوَّة سحيقة باقية وتتمدد بين أقلية تملك كل شيء وأغلبية لا تملك أي شيء؟ جافاك النوم، رافقك الأرق على ما تراه من انعدام العدل، فقررت الكلام تنفيسا على قلبك وإبراء لذمتك أمام خالقك؟
هل بثُّك مرده حزنك على أموال المسلمين وهي تُسرق وتُنهب جهارا نهارا، تأسفك على آلاف المليارات المهربة للخارج، على 5000 مليار سنتيم تُسرق سنويا، على 2500 مليار “مَكْسٌ” أي ضريبة لا يدفعها الكبار لصالح الدولة؟
أتتحسَّرُ يا وارث وزارة المساجد وأنت تُراجع آلاف المليارات المصروفة طوال عقدين في مخططات خضراء وصفراء وزرقاء زينة للنَّاهبين، دون النجاح في كبح جماح العطالة، ولا منع فرار الصغار كما الكبار، النساء كما الأطفال، العقول كما العاطلين صوب بلاد النصارى؟
لم نسمع لك حرفاً ولم تخرج لك تنهيدة ولم تذرف دمعة “بثّا” وأنت تتابع هروب آلاف مؤلفة حذر الفقرِ والحُكرة وانعدام الثقة في الحاضر كما المستقبل صوب الفنيدق، من دولة كانت قبل قرون عام ترسل المدد لولايات الأندلس، فإذا بها اليوم تتلقى المساعدات لحراسة حدود الإسبان؟
هل أصابك حُزن على مستقبل وطن تُشرع فيه قوانين تُراعي كل شيء إلا الانسان، من مسطرة مدنية تُصنف حقوق الناس على أساس ما بجيوبهم، لمسطرة جنائية تنصر الظالم وتُرهب المظلوم، فـ” قانون يُعاقبْ” يمنع الإضراب بحجة تنظيمه، لمدى شرعية بيع ديون الناس للأغيار دون علمهم ولا موافقتهم…وغيرهم الكثير الكثير.
أليس كل ما قلناه أدعى أن يكون سببا لهمك وحزنك وبثِّك، وأنت القابع لأكثر من عقدين على وزارة دين شامل للدنيا والآخرة، للسياسة كما الاقتصاد والاجتماع؟
أم أن تصريحا تافها، ولكن مُسيَّسًا (وهذا ما يُزعْزِعُكم) كان أولا بأن يُشعل لهيب همك و غمك وحُزنك، فتُحرك خطابتك وبلاغتك ردا على متقاعد بلغ (كما أنت) من الكبر عُتيّا؟
نحن أبعد ما نكون عن الدفاع عن المغفور له سياسيا بنكيران، وقد كنت وإيّاه شركاء في مسح كبائر الماضي في السياسة كما في الاقتصاد والاجتماع بحجة عفا الله عما سلف، ومنطق الحرص على استقرار “الوطن”. كما لعبتما أدوار طلائعية، إلى جانب آخرين، كمحاليل كيميائية “كاشفة لهشاشة الشعب”، مُمهدين الطريق لرجال المال لسحق ما تبقى من حقوق وكرامة الناس، والتهام الأخضر واليابس.
كنا سنتفهم سُخونة بيضتك في الرد السريع لو عُرف عنك همتك ونشاطك وطول لسانك دفاعا عن القضايا الأهم، خصوصا ما تعلق بالحُرمات الثلاث: أموالٌ، أنفسٌ وأعراض. أما وأنت “تتصوَّف” و”تَتَمشْيخ” في الصَّح والعمل وما ينفع الناس فلا نسمع من ناحيتك همساً إلا صوت صرصار الحقل، وتَتَعمْلَق وتَتَمجْهد وتَتَعلْمن وتَتَعقْلن في سفاسِف الأمور وزبدها، فاسمح لنا أن “نُمَوْضِعك” إلى جانب إخوتك في مسرح العرائس: شيخ البيحيدي، شوف تيفي، ولد الشينوية، إلياس المالكي، منتخب الكرة وغيركم الكثير…
اختلفت الأساليب والهدف واحد: جعل الناس تتبع الجنازة رغم أن المتوفّى فأرٌ، أو كما يقول إخواننا في ليبيا: عيطةٌ وشهودْ..على قنفودْ!
للقصة بقية…
المزيد من الأبحاث والدراسات في عرض تخفيضات كتاب “المملكة المغربية تحولات السياسة والاقتصاد”: نسخة واحدة 50 درهما، نسختان 80 درهما. توصيل مجاني.
للطلب:
*وتساب 0657812086