لطالما كانت هولندا تُعتبر مثالاً يحتذى به في الحكم الرشيد والشفافية، لكن في السنوات الأخيرة، بدأت تظهر على السطح مشكلات هيكلية تهدد هذه السمعة. مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية أظهر تراجعاً مستمراً في تصنيف هولندا، حيث انخفض إلى 79 نقطة، وهو ما يعد مؤشراً على وجود خلل داخلي رغم احتفاظها بمكانة متقدمة بين العشر الأوائل عالمياً. هذا التراجع يسلط الضوء على الفساد المستشري في المؤسسات الحكومية، بدءاً من المحسوبية في السياسة وصولاً إلى استغلال الثغرات القانونية.
أمستردام الغربية: صورة مصغرة للفساد والتفاوت الاجتماعي
ما يحدث في حي أمستردام الغربية هو خير مثال على تلك التحديات التي تواجهها هولندا. هذه المنطقة، التي تضم كثافة سكانية عالية من المهاجرين المغاربة، أصبحت في الآونة الأخيرة مركزًا لتوترات اجتماعية، على إثر أحداث شغب بعد مباراة بين مشجعي أياكس وماكابي. لكن وراء هذه التوترات، تتكشف صورة أكثر تعقيدًا تتعلق بالفساد الاجتماعي والاقتصادي.
في قلب هذا الحي، يبرز اسم ساندرا شيدي وأبو بكر زعيتر، مقاتل MMA مغربي-ألماني، اللذان يعيشان حياة رفاهية في قصر فخم على حساب الأموال العامة. هذه الصور لا تعكس فقط التفاوت الطبقي بين الفئات الاجتماعية في المنطقة، بل تكشف عن إساءة استخدام الإعانات العامة التي كان من المفترض أن تُوجه لمساعدة الفئات المحرومة.
الفساد في المؤسسات العامة: سوء استخدام الأموال
من المشاريع التي كانت مخصصة لدعم الفئات الضعيفة مثل “واو هوستل”، تم تحويل الأموال إلى دعم أسلوب حياة الأثرياء. كان من المفترض أن يكون المشروع منصة لمساعدة اللاجئين الأوكرانيين والشباب المغربي المحروم، إلا أنه تحول إلى وسيلة لتغذية الترف والامتيازات لعدد قليل من الأفراد. هذه الحيلة في استغلال الأموال العامة تمثل خيانة للثقة العامة، وتكشف عن تلاعب بأهداف هذه المشاريع.
المحسوبية والجريمة المنظمة: تهديدات تهدد استقرار الدولة
بعيداً عن منطقة أمستردام الغربية، تكمن مشكلات أخرى عميقة. التحولات بين السياسة والقطاع الخاص أصبحت أمرًا طبيعيًا في هولندا، ما خلق بيئة خصبة للمحسوبية والفساد. المسؤولون الحكوميون يستغلون مناصبهم لتحقيق مصالح شخصية، ما يساهم في تفشي ثقافة فساد تقوض نزاهة الدولة.
في ذات الوقت، تستغل الجريمة المنظمة النظام القانوني الهولندي، مثل هيكل “ستاك” (Stichting Administratiekantoor)، لإخفاء الثروات وغسل الأموال. هذه الهياكل، التي كانت في الأصل تهدف لحماية الأعمال العائلية، أصبحت أداة للتهرب الضريبي وغسل الأموال، ما يشكل تهديدًا واضحًا للسلامة المالية في البلاد.
الطريق إلى الأمام: خطوات لتغيير الواقع
إن هولندا اليوم أمام مفترق طرق. يجب على الحكومة الهولندية اتخاذ خطوات جادة لتقليص الفساد واستعادة ثقة الشعب في مؤسسات الدولة. تشير منظمة الشفافية الدولية إلى عدة إجراءات يجب أن تُنفذ، ومنها
تعزيز الرقابة على الأموال العامة: يجب ضمان مراقبة دقيقة على الأموال العامة والمشاريع التي تمولها الحكومة، والتأكد من وصولها إلى الفئات المستهدفة
تنظيم اللوبيات ومحاربة المحسوبية: من الضروري وضع قوانين واضحة تفصل بين المناصب العامة والقطاع الخاص لتجنب استغلال المناصب لتحقيق مصالح خاص
إصلاح الهياكل القانونية: يجب تعزيز الشفافية في هياكل مثل “ستاك” لمنع استغلالها في عمليات غسيل الأموال والتهرب الضريبي
الاستثمار في المجتمعات المحرومة: لا بد من ضمان أن الأموال التي تُخصص لدعم المجتمعات الفقيرة لا تذهب سدى، بل تُستثمر لتحقيق فوائد حقيقية لها
خاتمة: هل ستختار هولندا التغيير؟
أمستردام الغربية، بنموذجها المختلط من الفساد والتفاوت الاجتماعي، تمثل جرس إنذار لما يمكن أن يحدث إذا استمر الوضع على حاله. الفساد ليس مجرد مسألة أخلاقية بل هو تهديد حقيقي للأمن الاجتماعي والاقتصادي في هولندا. أمام الحكومة الهولندية خياران: إما أن تواصل تجاهل هذه المشاكل، أو أن تتخذ خطوات حاسمة لاستعادة مكانتها كدولة تتمتع بالشفافية والعدالة. المستقبل ليس فقط في يد السياسيين، بل في أيدي المواطنين الذين عليهم أن يطالبوا بالتغيير لضمان العدالة الاجتماعية في جميع أرجاء البلاد