تشهد السياسة الخارجية الفرنسية تحولاً ملحوظاً نحو شرق أفريقيا، في خطوة تهدف إلى تعويض تراجع نفوذها التقليدي في منطقة الساحل وغرب أفريقيا. يأتي هذا التحول نتيجة لصعود أنظمة عسكرية جديدة في المنطقة أعلنت القطيعة مع الإرث الاستعماري الفرنسي وفتحت أبواب التعاون مع قوى دولية منافسة مثل روسيا وتركيا.
ضمن هذا الإطار، تسعى فرنسا لتعزيز حضورها في شرق القارة من خلال استراتيجيات شاملة تشمل التعاون السياسي، الاقتصادي، والعسكري. وتبرز دول مثل كينيا وتنزانيا وإثيوبيا كمحاور رئيسية لهذا التوجه الجديد، حيث تحاول باريس الاستفادة من موقع هذه الدول الجغرافي المطل على المحيط الهندي والبحر الأحمر، بما يتماشى مع التغيرات في الخريطة الجيوسياسية العالمية.
تعتمد فرنسا في توسعها شرقاً على أدوات متعددة، أبرزها وجودها العسكري في جيبوتي، التي تحتضن أكبر قاعدة عسكرية فرنسية خارج البلاد، مما يمنح باريس نقطة انطلاق استراتيجية لتنفيذ مهام في المنطقة. كما طورت علاقاتها الدفاعية مع إثيوبيا، عبر دعم بناء قواتها البحرية وتوقيع اتفاقيات تعاون عسكري.
اقتصادياً، تعزز فرنسا استثماراتها في قطاعات حيوية مثل الطاقة والنقل والبنية التحتية. فقد تضاعف عدد الشركات الفرنسية العاملة في كينيا خلال العقد الأخير، ووصل حجم التبادل التجاري مع تنزانيا إلى مستويات قياسية. كما تدعم الوكالة الفرنسية للتنمية مشروعات تنموية كبرى، تشمل توفير الكهرباء ومشاريع المياه والصرف الصحي.
ثقافياً، تستثمر فرنسا في تعزيز وجودها من خلال دعم مشاريع التراث والتعليم، مثل تجديد كنائس لاليبيلا في إثيوبيا وتعزيز برامج تعليم اللغة الفرنسية.
رغم هذه الجهود، تواجه فرنسا تحديات كبيرة في سعيها لاستعادة نفوذها، أبرزها منافسة قوى مثل الصين وتركيا، إضافة إلى الإرث الاستعماري الذي لا يزال يلقي بظلاله على علاقتها بدول القارة.