في تطور مثير لقضية فساد مالي هزت الرأي العام المحلي، أصدرت محكمة جرائم الأموال بمراكش، مساء الجمعة 27 دجنبر 2024، أحكاماً بالسجن والغرامات المالية ضد ثلاثة رؤساء سابقين لجماعة “أولاد يحيى لكراير” بإقليم زاكورة، إلى جانب مقاولين وموظفين إداريين. وجاءت الأحكام بعد تحقيقات مكثفة كشفت عن اختلاس أموال عامة وتزوير محررات رسمية، ما أدى إلى محاكمة دامت عدة أشهر، شهدت جلسات مطولة ونقاشات حادة.
قضت المحكمة بالسجن النافذ لمدة سنتين لكل من الرئيسين السابقين للجماعة، مع فرض غرامة مالية بقيمة 30 ألف درهم لكل واحد منهما. وفي ما يخص باقي المتهمين، حكم على ثلاثة أشخاص بالسجن النافذ لمدة سنتين مع إيقاف تنفيذ السنة الثانية، بالإضافة إلى غرامة مالية قدرها 20 ألف درهم لكل منهم. كما حُكم على متهمين اثنين آخرين بالسجن النافذ لمدة سنة واحدة لكل منهما، مرفوقة بغرامة مالية قدرها 10 آلاف درهم لكل واحد.
وفي الجانب المدني، قضت المحكمة بإلزام جميع المدانين بأداء تعويض تضامني قدره 200,000 درهم لفائدة الطرف المدني، مع تحميلهم المصاريف والإكراه البدني في الحد الأدنى.
واجه المتهمون تهماً تتعلق بتبديد أموال عامة كانت موضوعة تحت تصرفهم بموجب وظائفهم، إلى جانب التزوير واستعمال وثائق مزورة في صفقات عمومية. وشملت التجاوزات التلاعب في مشاريع تنموية كانت مخصصة لتحسين البنية التحتية الاجتماعية والخدماتية في المنطقة، أبرزها مشروع للطاقة الشمسية كان يهدف إلى توفير الماء الصالح للشرب في إطار برنامج ملكي لمحاربة الجفاف. كما تضمنت التجاوزات اختلالات في مشروع بناء ملاعب سوسيو-رياضية وثقافية ضمن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
استمرت جلسات المحاكمة عدة أشهر، عُقدت خلالها مناقشات مطولة حول تفاصيل الملفات والاتهامات. وخلال الجلسة الختامية التي دامت ست ساعات متواصلة، ورغم تغيّر الهيئة القضائية وغياب بعض الأطراف، تمكنت المحكمة من إنهاء المناقشات وحجز الملف للمداولة، ليصدر الحكم في ساعة متأخرة من مساء الجمعة.
سلط هذا الملف الضوء على قضايا الفساد المالي في تدبير الشأن العام بالمغرب، ما يطرح تساؤلات حول فعالية أنظمة المراقبة والشفافية في تسيير الجماعات الترابية. كما أن الأحكام الصادرة تحمل رسالة واضحة بأن القضاء عازم على محاربة الفساد وتعزيز ثقافة المساءلة والمحاسبة، خصوصاً في ظل المشاريع التنموية التي تتطلب إدارة نزيهة لضمان تحقيق أهدافها.
وتبرز هذه القضية أهمية تعزيز الرقابة الإدارية والمالية على الجماعات المحلية، مع ضرورة إصلاح منظومة الصفقات العمومية لضمان الشفافية ومنع أي استغلال للمال العام. في المقابل، تظل الأنظار موجهة إلى مراحل الاستئناف وما قد تحمله من تطورات في هذا الملف الحساس.