أثارت الهزة الأرضية التي ضربت شمال المغرب مساء الإثنين 10 فبراير 2025 حالة من الرعب والهلع بين المواطنين، خاصة في المدن الشمالية، حيث أعادت إلى الأذهان ذكريات زلزال الحوز المدمر الذي ضرب منطقة الأطلس الكبير في 8 شتنبر 2023. وبعد ساعة من الترقب، أعلن المعهد الوطني للجيوفيزياء أن بؤرة الزلزال كانت في عمق 20 كيلومترا بمنطقة بريكشة، الواقعة في إقليم وزان، وقد بلغت قوته 5.2 درجة على سلم ريشتر.
بريكشة.. قرية معلقة في جبال الريف
تقع قرية بريكشة في قلب جبال الريف، وهي واحدة من القرى الجبلية التابعة لإقليم وزان ضمن جهة طنجة-تطوان-الحسيمة. تنتمي إداريًا إلى دائرة مقريصات، ويبلغ عدد سكانها حوالي 8,777 نسمة وفقًا لإحصاء عام 2024، موزعين على ثلاث مشيخات و25 دوارًا.
تتميز بريكشة بطبيعتها الخلابة وتنوعها البيولوجي، حيث يمر من شمالها وادي اللوكوس، أحد أهم الأنهار في المغرب، والذي يصب في المحيط الأطلسي عند مدينة العرائش. هذا الموقع الجغرافي جعل منها منطقة زراعية بامتياز، تشتهر بإنتاج الحبوب والزيتون والتين، فضلًا عن تربية الأغنام والماعز التي تشكل مصدرًا رئيسيًا للدخل.
منجم “الذهب الأبيض”
تشتهر بريكشة بإنتاج ما يُعرف بـ “زهرة الملح”، وهو ملح فاخر تُشرف على استخراجه نساء قرية زرادون، حيث يقمن بتجفيف مياه ينابيع مالحة في سفوح الجبال، في عملية شاقة تبدأ مع بزوغ الفجر. يُستخدم هذا الملح كتوابل مميزة بفضل نكهته الفريدة، ويعتبر مصدر دخل حيوي للأسر المحلية.
تراث ثقافي عريق
تحتضن بريكشة إرثًا ثقافيًا غنيًا يعكس ثقافة “جبالة” الأصيلة، وتضم معالم طبيعية بارزة مثل منتزه “البلوطة” الإيكولوجي، الذي يُعتبر جزءًا من غابة “إيزارن” الكبرى. يُعد المنتزه وجهة مثالية لعشاق الطبيعة بفضل تنوعه النباتي والحيواني.
ومن أبرز الشخصيات التاريخية التي تنتمي إلى المنطقة، الفقيه محمد الرهوني، المعروف بـ”بَرِكْشَة”، وهو فقيه مالكي وعلامة بارز في تاريخ المغرب. وُلد عام 1746 وتلقى تعليمه في وزان وتطوان وفاس، حيث تتلمذ على يد العلامة التاودي بن سودة الفاسي. تولى الرهوني مهام علمية مهمة في بلاط السلطان سليمان العلوي، حيث ساهم في تحرير المسائل الفقهية وألّف حاشيته الشهيرة على شرح الزرقاني لمختصر خليل قبل وفاته سنة 1815.
زلزال يعيد مخاوف الماضي
الهزة الأخيرة التي ضربت بريكشة أعادت إلى الواجهة المخاوف من الكوارث الطبيعية، خاصة في ظل تكرار الزلازل في مناطق شمال المغرب. وقد تسبب الزلزال في حالة من الذعر بين السكان المحليين، حيث خرج العديد منهم إلى الشوارع خوفًا من هزات ارتدادية محتملة.
وفي ظل هذه المخاوف، تتزايد الدعوات لتعزيز البنية التحتية المقاومة للزلازل وتحسين استراتيجيات التدخل السريع لمواجهة مثل هذه الكوارث، مع التركيز على أهمية الوعي المجتمعي بطرق الوقاية أثناء الكوارث الطبيعية.