بينما تسعى الحكومة المغربية جاهدةً لاستضافة كأس العالم 2030 في أبهى صورة وأحسن الظروف، تبدو في الواقع وكأنها تنتهج حربًا قاسية ضد مواطنيها الأكثر ضعفًا وفقراً، الذين وجدوا أنفسهم ضحايا قرارات جائرة بهدم منازلهم وتشريد عائلاتهم لصالح إنشاء الفنادق والملاعب الرياضية الفخمة التي ستحتضن المونديال.
إن ما تشهده بعض أحياء الرباط، وخاصة حي المحيط، ليس إلا نموذجًا واضحًا لما يمكن أن نصفه بـ “مجزرة عمرانية” ترتكبها السلطات في حق الفقراء المغاربة. فمن أجل إنجاز مشاريع فنادق وإقامات فندقية جديدة، وصل عددها إلى 100 منشأة حسب تقارير حديثة، لم تتردد السلطات في استعمال الجرافات دون رحمة لهدم منازل عائلات بسيطة، كثيرٌ منها لا يملك بديلاً للسكن أو تعويضًا عادلاً يعينه على مواجهة قسوة التشرد.
وفي مقابل إصرار الدولة على تحقيق ما تسميه “حلم التنظيم” وإبهار العالم بفعاليات البطولة العالمية، يزداد العبء على المواطن المغربي عبر سلسلة من الإجراءات الاقتصادية الخانقة؛ من ارتفاع جنوني في أسعار المواد الأساسية، إلى فرض ضرائب ثقيلة على الطبقة الوسطى والفقيرة، وكأن المواطن مطالب بدفع فاتورة بطولة قد لا تعود عليه بأي منفعة حقيقية.
والمؤلم أكثر في هذا الواقع أن قضايا جوهرية تهم المغاربة مثل الصحة والتعليم والشغل، تبقى على هامش الاهتمامات الحكومية. فالمستشفيات العمومية تئن تحت وطأة النقص الحاد في التجهيزات الطبية والكفاءات البشرية، فيما المؤسسات التعليمية لا تزال غارقة في مشاكل الاكتظاظ وضعف الجودة، لتستمر معاناة الأسر المغربية التي تجد نفسها مطالبة بدفع فاتورة الفشل الحكومي في تدبير الشأن العام.
إن هذا التوجه نحو تقديم بطولة رياضية دولية على حساب كرامة الإنسان المغربي ومستقبله، يطرح أسئلة أخلاقية عديدة: هل باتت صورة البلد في الخارج أهم من مواطنيه؟ وهل بناء الفنادق والملاعب الترفيهية أهم من الاستثمار الحقيقي في العنصر البشري المغربي، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطن؟
ندعو عبر منصتنا الإعلامية “تحدي” الجهات المسؤولة إلى إعادة النظر بشكل عاجل في هذه السياسات التي تُهمش المواطن المغربي، وتُهدد مستقبله وكرامته، وتحول حياته إلى معاناة مستمرة مقابل إرضاء نزوات رياضية وإعلامية عابرة.
إن استضافة المغرب لكأس العالم يجب أن يكون فرصة لتنمية حقيقية يستفيد منها المواطن قبل غيره، لا سببًا في مزيد من الفقر والتشريد وإثقال كاهله بالضرائب والأسعار.