لا ينكر العالم بأن للملكية جذور بأرض المغرب، جذور قاومت عوامل التصحر وتقلبات مناخ العالم، فهل ستقاوم عوامل التعرية التي تعيشها حاليًا؟ حقيقة جذورها هي التي جعلتنا نطرح هذا السؤال، ولكن لنجيب على سؤالنا هذا اخترنا أن نجيب في مقالتين؛ الأولى لنبسط شيئًا ارتباط المغاربة بالملكية ومراحل التعبير العلني عن تشبثهم بها، وهنا نسلط الضوء على جانب مهم، إنه صدح المغاربة بحياة الملك كما في ملكيات عديدة.
ومما لا شك فيه أنكم تطرحون تساؤلات عن بداية مقولة: “عاااش الملك”، مقولة بدأت عند أجدادنا في العقد الخامس من القرن العشرين، حين قرر المستعمر الفرنسي الذي دخل المغرب “حاميًا له في زمن السيبة” أن يبعد السلطان محمد بن يوسف رحمه الله إلى منفاه في مدغشقر. حينها صدحت حناجر المغاربة بمقولة “عييييش ا الملك”، وهي المقولة التي تردد على لسان شيوخنا إلى حد الساعة، خاصة محدودي الثقافة منهم، وكان المراد من ذلك هو المساندة الشعبية الروحية لسلطانهم.
بقيت هذه العبارة تتردد إلى أن حاولت فرنسا أن تفك ارتباط شعب المغرب الروحي بسلطانه، وذلك حين رأت بأن المغاربة من كثرة حبهم له بدأوا في الحديث عن رؤيته في القمر، الشيء الذي فسره علماء النفس على أنها واقعة لا تختلف عن رؤية الماء في صحراء قاحلة عند العطشان الذي أصبح يرى السراب.
ولم تتوقف فرنسا حينها عن محاولة فك الارتباط بين الملكية والسلطان حين جاءت بنبأ موته، فتحولت مقولة “عييييش الملك” إلى “يحيا الملك”، وصدحت بها الحناجر طويلًا حتى عاد من منفاه. كانت عودة السلطان محمد بن يوسف من المنفى حدثًا أبهج قلوب المغاربة، وبسبب الفرحة بعودة ملكهم، وأيضًا إحساسًا منهم أن الله استجاب لدعائهم بحفظ السلطان، ذاعت بينهم مقولة “عاش الملك”، والتي أصبحت إحدى الروابط القوية بين السلطان والشعب، تعكس مدى الحب المتبادل بينهما.
تحولات عبارة “عاش الملك” عبر الزمن
من هنا نستخلص أن هذه العبارة عند المغاربة كانت لها حمولتها ووزنها وقيمتها، لكنها تحولت عبر الزمن، ففي عهد الملك الحسن الثاني، أصبحت تعبر عن الولاء والطاعة أكثر من تعبيرها عن الحب، خاصة في بداية حكمه. لكنها عادت إلى حمولتها الإنسانية مع المحاولات الانقلابية التي تعرض لها القصر في سبعينيات القرن الماضي.
ولا ينكر أحد من المتابعين أن عبارة “عاش الملك” في عهد الحسن الثاني كانت لا تُنطق إلا في مكانها ولحظة توافق حمولة نطقها.
بعد وفاة الحسن الثاني رحمه الله، تولى الملك محمد السادس الحكم، وكان بداية عهده معروفًا بـ”عهد ملك الفقراء”، حيث كان ينحني على الفئات المعوزة، يقبل رؤوسهم، ويحتضن المحتاجين. في تلك الفترة، كانت عبارة “عاش الملك” تعبر عن العرفان بالجميل عند المغاربة، بإحساسه الراقي وتواصله المباشر مع المواطنين.
لكن سرعان ما تم تحوير العبارة واستغلالها من قبل البعض، فصارت تُستعمل للاستمرار في خرق القانون، وللاحتماء من المساءلة والمحاسبة. كما استخدمها البعض كوسيلة لحماية أنفسهم من بطش السلطة، سواء في إطار تطبيق القانون أو حتى عند الشطط في استخدامه.
بعد سنة 2017، بدأ التحول الأكبر في حمولة العبارة، حيث رفعت شعارات جديدة في منطقة الريف، مثل “عاش الريف” و”عاش فلان وفلان”. ومع ضعف المجتمع السياسي والمدني، ظهرت جمعيات استغلت هذه العبارة فقط لكسب مصالح ضيقة، حتى أصبحت عند البعض وسيلة للاستفادة والتقرب من السلطة.
الانزلاق نحو “عاش الحموشي” في العصر الحالي
ما يثير القلق هو الوضع الذي وصلت إليه العبارة اليوم، حيث أصبح المواطن المغربي الضعيف يستعملها استنجادًا بالملك، بل لم يعد يتوقف عند الملك فقط، بل صار يضيف إليها أسماء أخرى مثل “عاش الحموشي”.
وهنا يُطرح السؤال:
- هل ترى السلطة الحاكمة في المغرب أن هذا التسلسل طبيعي؟
- هل هذا الخلط في المفاهيم مقبول؟
- هل السكوت عنه عادي؟ أم أن هناك من يريد إضعاف الدولة والسطو على السلطة؟
هذا هو مسار “عييييش”، “يحيا”، و”عاش الملك” ومعه “عاش الحموشي” في عصرنا الحالي.