Ad image

اقتصاد الريع والاحتكار في الأسواق المغربية : تشريح الظاهرة وآليات المواجهة

1 تعليق 5 دقائق للقراءة
  1. التناقض الصارخ بين ثمن الإنتاج وثمن الاستهلاك

في كل اقتصاد حر، هناك فرق منطقي بين ثمن الإنتاج وسعر البيع النهائي بسبب التكاليف الوسيطة كالنقل، التخزين، والضرائب. لكن حين يصل هذا الفرق إلى أضعاف مضاعفة، كما هو الحال في أسعار السردين، فإننا أمام منظومة اقتصادية معطوبة، قائمة على المضاربة والاستغلال الفاحش للمستهلك. كيف يمكن تفسير أن كيلوغرامًا من السردين الذي يباع في الموانئ بأقل من خمسة دراهم، يصل إلى ثلاثين درهمًا في الأسواق؟

  1. المضاربون والوسطاء: الطفيليات الاقتصادية التي تمتص دماء الشعب

السبب الرئيسي لهذا الفارق الشاسع هو تحكم شبكة من الوسطاء والمضاربين في سلاسل التوزيع، حيث يضيف كل وسيط هوامش ربح غير مبررة. هؤلاء الوسطاء لا يضيفون أي قيمة اقتصادية حقيقية، فهم ليسوا صيادين، ولا يساهمون في إنتاج أو تخزين السمك بطرق حديثة تحافظ على جودته، بل هم مجرد “سماسرة” يمتصون الفرق السعري بين المصدر والمستهلك.

ليس الأمر مقتصرًا على السمك فقط، بل يشمل كافة المواد الأساسية مثل الوقود، الحبوب، القطاني، اللحوم، الحليب، الخضر والفواكه، حيث تسيطر نفس الشبكات الاحتكارية على السوق، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل مصطنع، غير مبرر بأي منطق اقتصادي حقيقي.

  1. الاحتكار والتواطؤ: عندما يتحالف المال والسلطة ضد المواطن

في أي اقتصاد طبيعي، يخلق التنافس الحر آلية لضبط الأسعار. لكن في المغرب، توجد شركات ولوبيات تتحكم في الأسعار من خلال الاحتكار. في قطاع المحروقات، على سبيل المثال، تم تحرير الأسعار بدعوى تعزيز المنافسة، لكن النتيجة كانت عكسية: ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق بسبب تواطؤ الشركات الكبرى، في ظل غياب أي إرادة سياسية لتفعيل قوانين حماية المستهلك وضبط السوق.

- مساحة إعلانية -
Ad image

هذا السيناريو يتكرر في القطاعات الأخرى، حيث يتم احتكار السوق من طرف قلة تتحكم في مسارات التوزيع والتخزين، بل وتتحكم في القرارات السياسية لضمان استمرار هذا الوضع. وهنا نتساءل: ما دور الحكومة؟ ولماذا تغيب آليات المراقبة والمحاسبة؟

  1. دور الحكومة: بين الغياب والتواطؤ

الحكومة تملك كل الوسائل القانونية والرقابية لكبح جماح هذه الفوضى، لكن غياب التدخل الصارم يطرح تساؤلات جدية:

  • لماذا لا يتم فرض تسعيرة مرجعية للمواد الأساسية، كما هو معمول به في بعض الدول لحماية القدرة الشرائية؟
  • لماذا لا يتم تفعيل مراقبة صارمة على سلاسل التوزيع لمنع التلاعب بالأسعار؟
  • لماذا يتم تساهل الحكومة مع اللوبيات المسيطرة على السوق؟ هل هناك تواطؤ خفي بين أصحاب المصالح الكبرى وصنّاع القرار؟

كل هذه الأسئلة تعيدنا إلى جوهر المشكلة: غياب الإرادة السياسية الحقيقية لمواجهة جشع اللوبيات الاحتكارية، وترك المواطن المغربي ضحية اقتصاد ريعي لا يرحم.

  1. الحلول: نحو اقتصاد وطني عادل ومستقل

إذا كان هذا الوضع يشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، فما السبيل إلى التغيير؟

أ. تفعيل آليات ضبط السوق

- مساحة إعلانية -
Ad image
  • فرض تسعيرة مرجعية لبعض المواد الأساسية لمنع التلاعب بالأسعار.
  • وضع آليات مراقبة صارمة على سلاسل التوزيع، ومعاقبة المضاربين بصرامة.
  • دعم الصيادين والمزارعين مباشرة لخفض التكاليف وتقليل الاعتماد على الوسطاء.

ب. إصلاح قطاع المحروقات والمواد الأساسية

  • إعادة النظر في تحرير سوق المحروقات لضمان تسعير عادل وفق المؤشرات العالمية.
  • إنشاء شركات وطنية منافسة في مجال توزيع المحروقات والمواد الأساسية لضرب الاحتكار.

ج. تعزيز الاقتصاد المحلي والإنتاج الذاتي

  • دعم التعاونيات الإنتاجية والتوزيعية لخلق بديل حقيقي لهيمنة الوسطاء.
  • تشجيع الأسواق المباشرة بين المنتج والمستهلك (الأسواق الأسبوعية المنظمة، التطبيقات الإلكترونية للتجارة المباشرة).
  • تقنين التصدير العشوائي للمواد الأساسية للحفاظ على استقرار الأسعار داخل البلاد.

خاتمة: نحو ثورة اقتصادية ضد الاستغلال

ارتفاع الأسعار في المغرب ليس ناتجًا عن أسباب طبيعية أو اقتصادية بحتة، بل هو نتيجة مباشرة لتحالف غير مقدس بين اللوبيات الاحتكارية وغياب الإرادة السياسية. هذه الوضعية تشكل خطرًا كبيرًا على الأمن الاجتماعي، حيث تزداد الهوة بين الأغنياء والفقراء، ويتآكل دخل المواطن البسيط يومًا بعد يوم.

إن الحل ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب مواجهة شرسة ضد مافيات الاقتصاد التي جعلت من لقمة عيش المغاربة سوقًا للمضاربة. فإما أن تتحرك الدولة لضبط السوق وإنقاذ الاقتصاد، وإما أن يفرض الشعب منطقه في النهاية، لأن الجوع لا يقبل التفاوض، ولا ينتظر قرارات بطيئة تأتي بعد فوات الأوان.

الإشارات:
شارك هذا المقال
1 تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *