منقول
في حادثة مروعة هزّت بلدة كيگو بإقليم بولمان، تعرّضت 14 تلميذة قاصر لاعتداءات جنسية على يد دركي كان من المفترض أن يكون الحامي لهن، وليس الجاني. هذه الجريمة الصادمة تضع الأمن الأخلاقي والمجتمعي في مواجهة تساؤلات جوهرية حول فعالية الأجهزة الأمنية والقضائية في حماية الأطفال من الجرائم البشعة، خاصة عندما يكون الجاني من المفترض أن يكون في موقع الثقة والحماية.
غياب التدخل الاستباقي: فشل أمني وأخلاقي
يتحمل الأمن مسؤولية جسيمة في التصدي لمثل هذه الجرائم، ليس فقط في ضبط مرتكبيها بعد وقوعها، ولكن في منع حدوثها أساسًا. فالحادث يثير تساؤلات خطيرة حول غياب التدخل الاستباقي للسلطات المحلية، خاصة وأن الاعتداءات لم تكن حادثة معزولة، بل امتدت لفترة طويلة، ما يعني أن هناك خللًا واضحًا في الرقابة الأمنية والاستجابة المبكرة لمؤشرات الخطر.
تُظهر هذه الجريمة أن هناك نقصًا كبيرًا في المتابعة الأمنية، خاصة في محيط المؤسسات التعليمية، حيث تتزايد التهديدات التي تستهدف الفتيات القاصرات، سواء عبر الاعتداءات الجنسية أو الاستغلال من قبل شبكات الإجرام. من المفترض أن تكون السلطات أكثر حزمًا في مراقبة المناطق الحساسة وتكثيف الدوريات لمنع أي اعتداءات قبل وقوعها، وليس بعد أن يتحول الأمر إلى كارثة إنسانية.
دور المؤسسات التربوية في الحماية والوقاية
إلى جانب الجهات الأمنية، تلعب المؤسسات التعليمية دورًا بالغ الأهمية في حماية التلاميذ من المخاطر المحيطة بهم. غير أن حادثة كيگو كشفت ضعف آليات التحسيس والتوعية داخل المدارس، حيث يبدو أن هناك إهمالًا واضحًا للدور الوقائي الذي يمكن أن تلعبه الأطر الإدارية والتربوية، خاصة أطر الدعم الاجتماعي، الذين تم إحداث وظائفهم خصيصًا لمتابعة التلاميذ والتدخل عند رصد أي مخاطر تهدد سلامتهم.
إن غياب التأطير النفسي والاجتماعي داخل المؤسسات التعليمية يجعل التلاميذ عرضة للاستغلال، خاصة في القرى والمناطق الهشة التي تفتقر إلى الموارد والبنية التحتية اللازمة لحماية الأطفال. وبالتالي، من الضروري أن تعزز المدارس برامج التوعية حول الاعتداءات الجنسية، وكيفية حماية الأطفال من الاستغلال، بالإضافة إلى توفير قنوات آمنة للتبليغ عن أي حالات مشبوهة.
العقوبات القانونية: هل هي رادعة بما يكفي؟
في ظل هذه الفاجعة، يتعين على القضاء المغربي التعامل مع هذه الجرائم بأقصى درجات الصرامة. فالقوانين الحالية المتعلقة بالعنف الجنسي ضد القاصرين تحتاج إلى تعزيز، حيث لا تزال بعض العقوبات غير كافية لردع مرتكبي هذه الجرائم. في مثل هذه الحالات، يجب تطبيق أقصى العقوبات الممكنة لضمان عدم تكرار المأساة، كما يجب التأكد من عدم إفلات الجناة من العدالة بأي شكل من الأشكال.
إلى جانب التشديد في الأحكام، ينبغي وضع تدابير لحماية الضحايا، عبر توفير الدعم النفسي والاجتماعي لهن، والتأكد من إعادة إدماجهن في المجتمع دون وصمة اجتماعية، حتى لا يتحملن تبعات الجريمة بدلًا من الجناة.
المجتمع في مواجهة الظاهرة: مسؤولية جماعية
إن معالجة قضايا العنف الجنسي ضد القاصرين لا يمكن أن تكون مسؤولية فردية أو مقتصرة على السلطات الأمنية فقط، بل تحتاج إلى وعي مجتمعي كامل. يجب على الآباء والمدرسين والجمعيات والمجتمع المدني أن يكونوا أكثر يقظة تجاه أي سلوكيات مريبة، وألا يترددوا في التبليغ عن أي انتهاكات قد تحدث.
على المؤسسات الحقوقية والإعلام أن تسلط الضوء أكثر على هذه القضايا، لأن السكوت عنها يزيد من انتشارها، فيما يمكن أن يكون الكشف عنها ومحاسبة الجناة خطوة نحو مجتمع أكثر أمانًا للأطفال.
إن حادثة كيگو ليست الأولى من نوعها، لكنها يجب أن تكون الأخيرة. المطلوب اليوم هو استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة العنف الجنسي ضد القاصرين، تقوم على الوقاية، الحماية، والمتابعة القضائية الصارمة. فلا يمكن أن يبقى الأطفال ضحايا لعنف ممنهج بسبب تقاعس المؤسسات المعنية. على الدولة والمجتمع أن يتكاتفا لحماية أبنائنا، لأن صمتنا اليوم يعني تكرار المأساة غدًا.