إن المتأمل لطبيعة الحكومات المغربية منذ ما سمي بالاستقلال يجدها تضم دائما أحزاب الإدارة أو ما يسمى بالأحزاب التي ولدت من رحم السلطة، باستثناء بعض التجارب المحتشمة جدًا. ترى، ماذا قدمت هذه الأحزاب للدولة والشعب المغربي؟
نكاد نقول بالإجماع، وبشهادة مؤسسات الدولة الرقابية، بأن هذه الأحزاب لم تقدم أي إضافة للدولة والشعب المغربي، بقدر ما عملت على حماية مصالحها والتغول في دواليب الدولة والمخزن. وتجربة الحكومة الحالية تؤكد هذا بالملموس من خلال عدة مؤشرات، مثل تضارب المصالح، والتغول، والتطفل على القضاء وحتى اختصاصات الملك، وهلم جرا من غرائب وعجائب عشناها مع هذا العمر الحكومي، خصوصًا مع بعض الوزراء النافذين في الدولة.
وما وقع من أحداث متوالية يؤكد هذا، كالدفاع الشرس على تعديل مدونة الأسرة والقانون الجنائي من خلال تقييد دور الجمعيات الحقوقية والمجتمع المدني في مراقبة وتتبع المال العام، وحتى تعديل قانون المسطرة المدنية. فكل هذه الأحداث، بجانب أحداث أخرى يعلمها العادي والبادي، تبرز مدى تغول أحزاب الإدارة النافذة ومحاولتها اختطاف السلطة من خلال سياسة التحكم والنفوذ (ولي دوا يرعف بالدّارج المغربي).
فهذه الأحزاب، التي وُظّفت أو تم توظيفها في مرحلة سياسية من تاريخ المغرب الحديث لمواجهة بعض الأحزاب الوطنية التي حظيت بما يسمى بالشرعية التاريخية، تحولت إلى خطر على السلطة والدولة، بعدما تم القضاء على الأحزاب الوطنية، وتهميش النخب وإقصائها واعتقالها ماديًا ورمزيًا. حتى وصلنا إلى مرحلة الابتذال السياسي وقتل الممارسة السياسية التي كانت إلى زمن قريب تحتكم لشروط (المنافسة) الحزبية ولو جزئيًا.
لكن ما وقع في الانتخابات الأخيرة، وتسييد حزب التجمع الوطني للأحرار المشهد الانتخابي، وسحقه لكل المقاعد البرلمانية والجماعية والمجالس الإقليمية والجهوية، حتى صار شعار الحزب يرفرف في كل مكان وكأننا أمام الحزب الواحد، ينم عن موت المنافسة ونفوذ حزب السلطة في الوطن. حتى تحول بعض أعضائه وسياسيوه وبرلمانيوه وأعيانه إلى ملوك في دوائرهم الانتخابية الضيقة والشاسعة في نفس الوقت، من خلال تغولهم السياسي والاقتصادي.
والشواهد كثيرة على امتداد خريطة الوطن، وما وقع مع رئيس الحكومة فيما يخص صفقة تحلية المياه بمحطة الدار البيضاء، ينم عن مدى تغول الرجل ونفوذه، علمًا أن القانون يجرم تضارب المصالح. وبالمناسبة، فالرجل نافس شركة الملك في الصفقة وفاز بها.
من هنا قد نعرج على شطحات ورقصات وتصريحات أشهر الوزراء، عبد اللطيف وهبي، وزير العدل في حكومة عزيز أخنوش، وتعقيبه حول قضية العفو الملكي على الصحفيين، حين رد على سؤال الصحفي بلغة هجينة تنم عن عدم احترام الملك واختصاصاته واحترام التراتبية السياسية، مجيبًا بالدارج المغربي: (شغلوا هذاك). هذه شواهد واقعية تؤكد مدى تغول ونفوذ أحزاب الإدارة في الدولة.
ناهيك عن مجموعة من الأحداث الأخرى، كتناسل الاعتقالات السياسية لمجموعة من الحراكيين، كأننا في دولة يسود فيها قانون الأقوى، لا قانون العدالة القضائية وحرية التعبير والاحتجاج المكفولة دستوريًا وقانونيًا. فأصبحت الصورة: كلنا معتقلون مع وقف التنفيذ، وكل من احتج أو انتقد أو تكلم حتى، كان مصيره الاعتقال.
فكل هذه المؤشرات، ناهيك عن مؤشرات أخرى، تؤكد بالمعطى والملموس تغول أحزاب الإدارة في الدولة ودواليبها، وعرقلتها لكل مشروع ديمقراطي يقودنا لبناء دولة المؤسسات المدنية الديمقراطية المستقلة.
إذن، أحزاب الإدارة فيروس وجب اجتثاثه لبناء دولة ديمقراطية، والاحتكام لسلطة المؤسسات، لا الأشخاص والقرابات والولاءات والمصالح.
المواطنين هم السبب في كل مايحدث